فإذا فرغت فانصب
كتبهاسعيد الجطلاوي ، في 9 نوفمبر 2009 الساعة: 22:01 م
فى هذا الجزء من رسالة الإيجابية فى حياة الداعية يتعرض الراشد لأمرين آولاهما فإذا فرغت فانصب والثانية دور الكلمة الطيبة والإيجابية فى حياة الداعية
فإذا فرغت فانصب
يقول الراشد :ثم ليحذر الداعية من الفتور ويجب عليه أن يلحق العمل بالعمل والتعب بالنصب والجهد بالمشقة، فتيار الحياة صغير وفرصة العيش محدودة، وإياك وضياع الوقت وذهاب الفرصة فهذا النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وقد غُفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر يخاطبه ربه بضرورة النصب بعد الفراغ، بل:
(لما عد نعمه السالفة ووعوده الآنفة، يحثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلي وقتاً من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى.
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء
وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة
وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك
ولابد من التذكرة دوماً بضرورة المداومة فكم من داعية تحمس لعمل ثم فتر عنه، وإنما البركة في المداومة بعد حسن القصد، وصدق النية، بل إن المداومة على العمل أحد مظاهر صدق النية، وسلامة القصد، والتذكر أن النجاة إنما تتم بذلك، وليس بكثرة العمل الذي لا نية معه، أو لا فائدة منه فعن عائشة أم المؤمنين، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(سددوا وقاربوا، و اعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وإن أحب الأعمال أدومها إلى الله، وإن قل .. )
كنت على المستوى الشخصى أعجب جدا كيف بعد الفراغ أنصب وأتعب حتى قرأت هذا الجزء من رسالة الإيجابية وأدركت هنا بعض من أسرارها
الكلمـــــــــــــ المعطاء ــــــــــــــــــة
الكلمة الطيبة كحبة القمح المفردة، قد تُهمل وتذهب أدراج الحياة، وقد تكون مباركة فتنبت وتثمر، بل وقد تكون الثمرة خصبة تتضاعف وتتضاعف، وتنتشر هنا، أو تنتقل إلى هناك، فتناسب أرضاً صالحة، ومورداً عدْباً، فتتضاعف إلى سبع مائة ضعف، بل إلى ما شاء الله وتؤتي أكلها بإذن ربها، والكلمة الطيبة في أول مبتدأها (صدقة) كما أخبر عن وصفها الصادق المصدوق ، والصدقة تتضاعف بالنيّة لا وتتضاعف بالأثر منها، فكذلك البهلمة قد تحتفظ بذاتها، وقد تنمو وتنمو حتى تكون كالشجرة الباسقة، ويتحقق في ذلك قوله تعالى:
(ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)
وللبحث عن خصائص هذه الكلمة المعطاء لابد من البحث عن صفات الشجرة التي شُبهت بها، والتي تظهر من الاَية أنها أربعة خصائص:
(… فالصفة الأولى لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً:
أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل.
وثانيها: كونها طيبة الرائحة.
وثالثها: كونها طيبة الثمرة
ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة
والصفة الثانية قوله: (أصلها ثابت) أي: راسخ باق آمن الإنقلاع و الزوال و الفناء
والصفة الثالثة قوله: (وفرعها في السماء) وهذا الوصف يدل على كمال "حال تلك الشجرة من وجهين:
الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل.
والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات ا لأرض
والصفة الرابعة قوله (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) وهي أن ثمراتها لابد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات..
ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيم )
وهذا يقود إلى بعض ملامح الكلمة الطيبة إذ أنها جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر، ولا تخدش النفوس، جميلة في اللفظ والمعنى، يشتاق إليها السامع ويطرب لها القلب، كما أنها طيبة الثمر، نتائجها مفيدة، وغايتها بنَاءة، ومنفعتها واضحة، وفوق ذلك فإن أصلها ثابت مستمدة من المنبع الصافي كتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- وتمتد إلى السماء بفرعها لأنها نقية صادرة عن نية صادقة، وتؤتي أكلها باستمرار، يسمع السامع فينتفع بها، وينقلها لغيره فينتفع، حتى لينتفع بها الخلق الكثير، بل و يستمر الانتفاع بها إلى ما شاء الله. وليس ألصق بهذه الخصائص وأكثر قرباً من كلمات الدعاة المؤدية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والداعية إلى العمل الإسلامي، وبناء مقوماته، والهادية الناس إلى الخير و مستلزماته، والتي تعلم الداعة البناء وطرقه، وتهديهم إلى الجهاد ومعرفة قواعده الشرعية، وما قد يقود ذلك إلى تخطيط لدولة الإسلام، أو من مناهج لنشر الحق بين الأنام.
وتشبيه الكلمة الطيبة بالشجرة، لأن الشجرة تثمر الثمر النافع، كالكلمة التي تؤدي إلى العمل الصالح، وقد قال بعض السلف: إن الشجرة الطيبة هي النخلة لحديث عبد الله بن عمر في الصحيح، ولا فرق بين خصوص النخلة أو عموم الشجر الطيب، ففي كليهما يتأدى المعنى، والأصل التشبيه بالشجرة والمشبه بها شجرة الإيمان ليحصل التطابق.
(فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسمت الصالح، والهدى والدل المرضي، فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور .. )
وقد قال بعض السلف عن الكلمة الطيبة أنها كلمة التوحيد، وعموم اللفظ أنها كل كلمة طيبة، ولا منافاة بين القولين، فإن الكلمة لا تطيب إلا أن تكون مبنية على أصل التوحيد، وكلمة التوحيد لا تثمر إلا الكلمات الطيبة، والأصل في الكلام الطيب المثمر ما كان مبنياً على أسس الشريعة، وقواعد العقيدة، ولهذا فإنّ أصلها ثابت.
الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنةِ، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة… فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد الى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذاِ العمل الصالح الى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلماً كثيراً طيباً يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى:
"إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه"، فأخبر سبحانه وتعالى أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب "، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملاً صالحاً كل وقت..)[7]
وهكذا تثمر الكلمة الطيبة- بحسن نية قائلها – أو بحسنها ذاتها، أو لمحض رحمة الله عز وجل بما جعله من بركة العلم مما قد يكون أضعافاً مضاعفة عن أجر العمل ذاته، وما قد تؤديه لصلاح الخلق، وما أخصب تاريخنا الإسلامي بكثرة الخلق الذي انتفعوا بالمواعظ، ثم صاروا من قادة الأمة، وكتب الله لقائل الكلمة مثل أجور أعمالهم من غير أن ينقص منها شيئاً.
فهذا التابعي أبو محمد حبيب يقبل على الاجلة، وينتقل عن العاجلة بسبب موعظة البصري حيث وقعت موعظته في قلبه، وأقبل على العلم والعمل بعد الموعظة.
وهذا التابعي الكوفي الثقة أبو عبد الله زاذان الكندي الذي كان يضرب ويغني بالدف، وكان له صوت حسن فمر عليه عبد الله بن مسعود فقال: (ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله) فتاب من ضرب العود وكسره، ولازم ابن مسعود حتى صار إماماً في العلم.
وانظر ما حصل لسري السقطي وبشر الحافي.. وأمثالهما.
والكلمة الطيبة، قد ينتفع بها سامعها المباشر، وقد ينتفع بها- فيما بعد- بل قد يكون نفعه أشد وأكبر، وقد تلاقي الكلمة قلباً صافياً، ونية صادقة، فتتمكن من القلب، وتثمر الكلمة بالنية، كما تصادف البذرة الماء الصالح، والتربية الصالحة، فتؤتي الشجرة أكلها بإذن ربها، وهكذا (فرب مبلغ أوعى من سامع)، وأجر الكلمة المعطاء، وما يكتبه الله عز وجل ا للسامع وللمبلغ، بل ولسلسلة المبلغين، فلقائل الكلمة كفل منها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، وهذا من فضل الله على عَباده، ومما فضل به المتكلمين بالعلم عن غيره، إذا تبقى ثمرتهم منتجة، وعملهم مستمراً، وفضلهم دائماً إلى ما يشاء الله، والناس في استقبال الكلمة أنواع فمنهم من يسمعها ويعمل بها، ومنهم من لا ينتفع بها إطلاقاً، ومنم من يقوم بنقلها للغير، وما ضر المتحدث أن يتحدث بما يعلم، ويبلغ الرسالة للناس، وينقل الكلمة الطيبة، فسوف يظل الناس على هذه النماذج، ويجب أن لا يقف الصنف الثالث مانعاً من تبليغ العلم، ولا حاجزاً في بث الكلمة الطيبة، وقد شبه الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ هذه الأصناف الثلاثة في استقبال الكلمة الطيبة بأنواع من الأرض فقال صلى الله عليه وسلم (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها ثغبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ
والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثلَ من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). حديث متفق عليه…
(فالنبي- صلى الله عليه وسلم- جعل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض في قبَول الماء، فشبه من تحمل العلم والحديث وتفقه فيه بالأرض الطيبة، أصابها المطر فتنبت وانتفع بها الناس، وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس، وينتفعون به، وشبه من لا يفهم، ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه…)[8]
وهكذا، ما على الداعية سوى أن يقول كلمته المعطاء الطيبة ولا يهتم بكثرة الخاسرين الذين هم كالقيعان، فهنالك من الناس من هم كالأرض الصلبة سينقلون الكلمة الطيبة وتنتفع بها خلائق ويشر كثير، وقد تثمر في مكان آخر، أو تؤتي أكلها في زمن آخر، وقد يستمع للكلمة أناس كالأرض الطيبة لا تلبث أن تسمع مع صدى الكلمة تكبيرات مدوية، ولا تمكث حتى ترى لنور الكلمة بريقاً يأخذ بالأنظار، فتحيا بالتكبير نفوس، و بالبروق تبصر عيون، والأجر من بعد ذلك مكتوب لصاحب الكلمة.
وأخيراً.. فلعل هذه الكلمة الطيبة هي من أنواع ما عناه سيد الخلق صلى الله عليه و سلم بقوله فيما رواه البخاري:
(إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم).
وقد ركز العلماء السابقون على الشطر الثاني من الحديث لكثرة المتحدثين في المجتمع الإسلامي، ولم يُتحدث عن شطره الأول إلا القليل، ومما قيل:
(والكلمة التي ترفع بها الدرجات، ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظملة أو يفرج عنه كربة، أو ينصر بها مظلوماً.)[9]
فكيف بالكلمة التي تدفع عن مجموع المسلمين المظالم، وتدفع عنهم الكرب بدعوتهم لإقامة شرع الله؟ وكيف بالكلمة التي تقلع الظلم من جذوره بتطبيق حكم الله؟ وكيف بعبارات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وإذا كانت الدرجات ترفع بما يحقق المصالح الدنيوية فكيف بما يحقق المصالح الأخروية؟، وعلى ا لأدنى يقاس الأعلى.
إن الأجر عظيم، والثواب جزيل- إذا صحت النية- في الكلمات التي تقيم خيراً، وتدفع باطلاً، وتحيي سنة، وتميت بدعة، بل ويزداد الأجر، ويرتفع الثواب فيما يدفع العمل الإسلامي وينميه، ويدعو جمهور المسلمين لتبنيه،
أو يدفع عنه السوء وما قد يعتريه، فكيف إذن بما ينشئ العمل ابتداءً ويغذيه؟ ويعلم الدعاة النظام وفنونه، وقواعد العمل و أصوله؟ مما يؤدي إلى هداية الخلق الكثير، وانضمامهم لركب الدعوة وإتمام المسير، ومع هذا يقال أيضاً: ما هو فضل الكلمات التي تقود- فوق ذلك كله إلى قيام مجتمع إسلامي، أو بناء حكومة إسلامية؟ وكيف بما يخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ أو تحويل المجتمع من الجاهلية إلى الإسلام؟ وإقامة شرع الله بدلا عن شرع الطاغوت؟
ومن هنا ينبغي للداعية أن لا يزهد أبداً بما عنده من العلم، أو يبتعد – بحجة الزهد- عن تبليغ الأمانة، فما يدري أين يكون الخير؟ ومتى تؤتي كلمته عطاءها، بل ومتى تثمر؟
فالكلمة الواحدة قد تنشئ دعوة، وقد تبني مؤسسة؟ وقد ينقذ الله تعالى بها قلوباً، أو يعمر بها نفوساً، بل وقد يحيي الله بها أقواماً من السبات، أو يخرج بها الله عز وجل أمما من عالم الأموات، وما على الداعية إلا تبليغ الرسالة، ونقل الأمانة، والله تعالى يختار الأرض الصالحة لها ولو بعد حين، وينبتها نباتاً حسناً ولو بعد سنين، وقد تؤتي الكلمة ثمارها في الكان البعيد حتى يكتب الأجر للداعية دون أن يشعر ولعل الله تعالى يكتب له حجر النية، ويبعده- بحكمته- عن سيئة الرياء…
وما على الداعية إلا التبليغ ولا يترك الفرصة تفوت من يديه لعل الله تعالى يكتب له أجر الكلمة المعطاء التي لا يلقي لها بالاً وترضعه الدرجات، فلا يفوت "ممل!يه فرصة رفيق السفر في القطار أو الطائرة، ولا فرصة اللقاء العابر على وليمة أو مناسبة، ولا جلسة الاستراحة في ناد أو مقهى ا ولا جلسة المرافقة في الدائرة أو الدراسة، ولا يفوت مجال الارتباط في تجارة أو معاملة، ولا يزهد في الكلمة الطيبة الصغيرة في السوق وعند الشراء، أو في الحدائق عند الاسترخاء، أو في المسجد بعد الصلوات، أو عند التعارف مع الغير في السفرات والخلوات، وأشباه ذلك مما قد ييسره الله، والموفق السعيد من وفقه الله لكلمة الخير التي تنتشر في الآفاق فيكتب الله له أجرها وأجر من يعمل بها إلى ما يشاء الله، والله على كل شيء قدير.
إن قول الكلمة بهذه النيات ظاهرة من ظواهر الإيجابية في حياة الداعية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أخبار المسلمين, الأخبـــار, تراث أخواني, تـــاريــــخ, من الانترنت, من الصحافه | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























































