الخبيئة الصالحة قارب النجاة
كتبهاسعيد الجطلاوي ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 14:31 م
الخبيئة الصالحة قارب النجاة
زورق من ركبه نجا، وعبادة من اعتادها طهر قلبه وهذب نفسه وعودها الإخلاص ، إنها العبادة في السر والطاعة في الخفاء ، حيث لا يعرفك أحد ولا يعلم بك أحد ، غير الله سبحانه ، فأنت عندئذ تقدم العبادة له وحده غير عابئ بنظر الناس إليك ، وغير منتظر لأجر منهم مهما قل أو كثر .
وهي وسيلة لا يستطيعها المنافقون أبدًا ، وكذلك لا يستطيعها الكذابون ؛ لأن كلاًّ منهما بنى أعماله على رؤية الناس له ، وإنما هي أعمال الصالحين فقط .
إن أعمال السر لا يثبت عليها إلا الصادقون ، فهي زينة الخلوات بين العبد وبين ربه ، ولكن في وقت قل فيه عمل السر أو كاد أن ينسى ينبغي على الحركة الإسلامية إحياء معناه ، علمًا وعملاً ، وينبغي على شباب الصحوة الإسلامية تربية أنفسهم عليه .

وليعلم كل امرئ أن الشيطان لا يرضى ولا يقر إذا رأى من العبد عمل سر أبدًا ، وإنه لن يتركه حتى يجعله في العلانية ؛ ذلك لأن أعمال السر هي أشد أعمال على الشيطان ، وأبعد أعمال عن مخالطة الرياء والعجب والشهرة .
بركة الخفاء
وإذا انتشرت أعمال السر بين المسلمين ظهرت البركة وعم الخير بين الناس ، وإن ما نراه من صراع على الدنيا سببه الشح الخارجي والشح الخفي ، فأما الأول فمعلوم ، وأما الثاني فهو البخل بالطاعة في السر .
إذ إنها لا تخرج إلا من قلب كريم قد ملأ حب الله سويداؤه ، وعمت الرغبة فيما عنده أرجاؤه ، فأنكر نفسه في سبيل ربه ، وأخفى عمله يريد قبوله من مولاه ، فأحبب بهذي الجوارح المخلصة والنفوس الطيبة الصافية النقية التي تخفي عن شمالها ما تنفق يمينها .
وقد نصحنا النبي صلى الله عليه وسلم
بالخبيئة الصالحة ؛ فقال : " من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل " .
وعن أبي ذر رضى الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : " ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يشنؤهم الله : الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه ، والقوم يسافرون فيطول سُراهم حتى يُحبوا أن يمَسَّوا الأرض فينزلون ، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم ، والرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاه حتى يفرِّق بينهما موت أو ظعن ، والذين يشنؤهم الله : التاجر الحلاف ، والفقير المختال ، والبخيل المنان " .
وعن ابن مسعود رضى الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : " عجب ربنا من رجلين : رجل ثار عن وطائه ولحافه ، من بين أهله وحبِّه إلى صلاته ، فيقول الله جل وعلا : أيا ملائكتي ، انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته ، رغبة فيما عندي ، وشفقة مما عندي ، ورجل غزا في سبيل الله وانهزم أصحابه ، وعلم ما عليه في الانهزام ، وما له في الرجوع ، فرجع حتى يهريق دمه ، فيقول الله لملائكته : انظروا إلى عبدي ، رجع رجاء فيما عندي ، وشفقة مما عندي حتى يهريق دمه " .
وعن أبي الدرداء رضى الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : " ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم : الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل ، فإما أن يقتل ، وإما أن ينصره الله ويكفيه ، فيقول : انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه ؟ والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل ، فيقول : يَذَرُ شهوته ويذكرني ولو شاء رقد ، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا ، فقام من السحر في ضراء وسراء " .
تربية العلماء
ويحث العلماء والصالحون على عمل الخير في الخفاء ، فعن الزبير بن العوام رضى الله عنه
قال : " اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ " .
والخبيئة من العمل الصالح هو العمل الصالح المختبئ يعني المختفي ، والزبير رضى الله عنه
هنا ينبهنا إلى أمر نغفل عنه وهو المعادلة بين الأفعال رجاء المغفرة ؛ فلكل إنسان عمل سيئ يفعله في السر ، فأولى له أن يكون له عمل صالح يفعله في السر أيضا لعله أن يغفر له الآخر .
** وقال سفيان بن عيينة : قال أبو حازم : " اكتم حسناتك أشد مما تكتم سيئاتك " .
** وقال أيوب السختياني : " لأن يستر الرجل الزهد خير له من أن يظهره " .
** وعن محمد بن زياد قال : " رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ، ويدعو ربه ، فقال له أبو أمامة : أنت أنت لو كان هذا في بيتك " .
دليل الصدق
** قال أيوب السختياني : " والله ما صدق عبد إلا سرَّه ألا يُشعر بمكانه " .
** وقال الحارث المحاسبي : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ، ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله .
** وقال بشر بن الحارث : لا أعلم رجلاً أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح .
** وقال بشر : لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس .
** وقال أيضًا : لا تعمل لتذكر ، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة .
** وعنه أيضًا : ليس أحد يحب الدنيا إلا لم يحب الموت ، ومن زهد فيها أحب لقاء مولاه .
** وعنه : ما اتقى الله من أحب الشهرة .
الصالحون في سرهم
* عن عمران بن خالد قال : سمعت محمد بن واسع يقول : كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به .
** وعن يوسف بن عطية عن محمد بن واسع قال : لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بل ما تحت خده من دموعه ، لا تشعر به امرأته ، ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه .
** وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة .
** وعن ابن أبي عدِّي قال : صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله ، وكان خرازًا يحمل معه غداه من عندهم ، فيتصدق به في الطريق ، ويرجع عشيًا فيفطر معهم .
** وكان ابن سيرين يضحك بالنهار ، فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية .
** وقال حماد بن زيد : كان أيوب ربما حدَّث بالحديث فيرق ، فيلتفت ويتمخط ويقول : ما أشد الزكام !
** وذكر الحسن البصري : إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته ، فيردها ، فإذا خشي أن تسبقه قام .
** وقال مغيرة : كان لشريح بيت يخلو فيه يوم الجمعة ، لا يدري الناس ما يصنع فيه .
** قال عبد الرحمن بن مهدي : قلت لابن المبارك : إبراهيم بن أدهم ممن سمع ؟ قال : قد سمع من الناس ، وله فضل في نفسه ، صاحب سرائر ، وما رأيته يظهر تسبيحًا ولا شيئًا من الخير .
** وقال نعيم بن حماد : سمعت ابن المبارك يقول : ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك ، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة .
** وروى الذهبي : كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها .
عوامل معينة
أ - تدبر معاني الإخلاص : فالتربية على الإخلاص لله سبحانه وتذكير النفس به دائمًا هي الدافع الأول على عمل السر ، ذلك إن الباعث على عمل السر هو أن يكون العمل لله وحده وأن يكون بعيدًا عن رؤية الناس ، فعلى المربين تطبيق معاني الإخلاص في أمثال ذلك السلوك الخفي أثناء تدريسه للناس ، وحثهم على عمل السر من منطلق الإخلاص لله سبحانه .
ب - استواء ذم الناس ومدحهم : وهو معنى لو تربى عليه المرء لأعانه على عمل السر ، إذ إنه لا تمثل عنده رؤية الناس شيئًا ، سواء مدحوه لفعله أو ذموه له ؛ لأن مبتغاه رضا ربه سبحانه وليس رضا الناس ، وقد سبق أن بعض العلماء كان يُعلم تلاميذه فيقول لهم : اجعلوا الناس من حولكم كأنهم موتى .
جـ - تقوية مفهوم كمال العمل : وأقصد بذلك أن يتعلم المسلم أنه يجب أن يسعى إلى أن يكتمل عمله وتكمل كل جوانبه ليحسن ويقبل ، وإن العمل الذي لا يراه الناس يُرجى فيه الكمال أكثر مما يرجى في غيره ، فينبغي الاهتمام به أكثر .
د - صدقة السر : قال تعالى : { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم } [ البقرة : 271 ] .
فهي طريقة عملية سهلة لتطبيق عمل السر عمليًّا ، فبالإكثار من صدقة السر يُعَود الإنسان نفسه على أعمال السر ويتشربها قلبه وتركن إليها نفسه ، وقد ذكر أهل العلم بعضًا من الفضائل في صدقة السر منها : أن صدقة السر أستر على الآخذ وأبقى لمروءته وصونه عن الخروج عن التعفف ، ومنها أنها أسلم لقلوب الناس وألسنتهم ؛ فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء ، ومنها أنها أقرب إلى الأدب في العطاء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تراث أخواني, تـــاريــــخ, من الانترنت, من الصحافه | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج





















































