سويسرا تدين .. سويسرا تُبرِّئ .. والحَكَم المال!
منذ قرون عديدة، وبالتحديد في العام 1515 أعلنت سويسرا سياسة الحياد، عقب هزيمتها من فرنسا على أرض إيطاليا في معركة "مارينيانو". وقضت تلك السياسة بعدم دخول الدولة في أية تحالفات دولية، وإلغاء جيشها المسلح، وعدم السماح لأية ثورات أجنبية بالعبور في أراضيها.
وطوال تلك السنوات جنت سويسرا نتاج سياستها. ارتفع معدل الأعمار، ومستوى المعيشة، وكانت المقاطعات السويسرية هي الوحيدة تقريبا خلال الحربين العالميتين التي نجت من الجحيم، وأصبحت مستودعا آمنا للأموال ببنوكها الزاخرة بكل أوراق البنكنوت. تؤول أغلبيتها إلى الدولة بعد وفاة العشرات من أصحاب الحسابات السرية، دون أن يعرف أحد بخبر حساباتهم السويسرية.
طبقت سويسرا ديمقراطية شعبية حقيقية، يستطيع السويسريون من خلالها إلغاء أي قرار للحكومة والبرلمان بمجرد جمع 150 ألف توقيع برفض القرار، تمتعت بصناعةٍ هي مضرب الأمثال للساعات والشيكولاتة، وبطبيعة ساحرة، وأمان تام.
الحيثيات السابقة جعلت من سويسرا مقرا لأنصار السلام العالمي، فكانت مثلا مضيفة عصبة الأمم في القرن الماضي، ولاتزال تضم أجهزة عديدة للأمم المتحدة. كما كانت مقصدا للثائرين والمعارضين والفنانين، والهاربين بأموالهم من أجل حياة رغدة. من هناك استعد لينين لإشعال ثورته البلشفية في روسيا، كما يستقر المبدعون ممن أراحوا أنفسهم من كدر الشرق ومشاكله، فيستقر إبراهيم الكوني مثلا في قصر على ربوة، ليبدع رواياته عن الصحراء.
ضمت فنانين ورجال صناعة ومصرفيين، لكنها بمرور الوقت أصبحت موطنا مختارا لرفاهية وصخب النخبة المالية العالمية.. فهم هناك يتمتعون بأمان تام يخفي تجاوزاتهم و"انحرافاتهم". يبنون القصور دون أن يسألهم أحد عن مصدرها، وتمنحهم أموالُهم كثيرا من الدفء وسط الصقيع، وفي المقابل تتعامل معهم سويسرا بمنطق المرابي الذي يغفل عن جرائمهم مادامت لن تؤثر في رصيدها المالي، ومادامت قد ارتُكبت في حق من لا يطالب بحقه، وإنْ طلبه لن يستطيع الحصول عليه، لأنه سيصطدم بقوة النفوذ، وبدول "تشخصن" ثرواتها، ولا فرق فيها بين المال العام

















































